أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

212

العقد الفريد

أهل النار ، فلا يضرّك أن تزني . هذا ما ذكرناه في كتابنا من الخطب للحجاج ، وما بقي منها فهي مستقصاة في كتاب اليتيمة الثانية ، حيث ذكرت أخبار زياد والحجاج ، وإنما مذهبنا في كتابنا هذا أن نأخذ من كل شيء أحسنه ونحذف الكثير الذي يجتزأ منه بالقليل . خطبة طاهر بن الحسين لما افتتح مدينة السلام صعد المنبر وأحضر جماعة من بني هاشم والقواد وغيرهم فقال : الحمد للّه مالك الملك ، يؤتي الملك من يشاء ، وينزع الملك ممن يشاء ، ويعز من يشاء ، ويذلّ من يشاء ؛ ولا يصلح عمل المفسدين ، ولا يهدي كيد الخائنين ؛ إنّ ظهور غلبتنا لم يكن من أيدنا ولا كيدنا ، بل اختار اللّه لخلافته - إذ جعلها عمودا لدينه ، وقواما لعباده - من يستقل بأعبائها ، ويضطلع بحملها . خطبة عبد اللّه بن طاهر خطب الناس وقد تيسر لقتال الخوارج ؛ فقال : إنكم فئة اللّه المجاهدون عن حقه ، الذابّون عن دينه ، الذائدون عن محارمه ، الداعون إلى ما أمر به من الاعتصام بحبله ، والطاعة لولاة أمره ، الذين جعلهم رعاة الدين ، ونظام المسلمين فاستنجزوا موعود اللّه ونصره بمجاهدة عدوّه وأهل معصيته ، الذين أشروا « 1 » وتمردوا وشقوا العصا ، وفارقوا الجماعة ، ومرقوا من الدين ، وسعوا في الأرض فسادا ، فإنه يقول تبارك وتعالى : إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدامَكُمْ « 2 » فليكن الصبر معقلكم الذي إليه تلجئون ، وعدتكم التي تستظهرون ؛ فإنه الوزر المنيع الذي دلكم اللّه عليه ، والجنة الحصينة التي أمركم اللّه بلباسها ؛ غضوا أبصاركم ، وأخفتوا أصواتكم في مصافّكم ، وامضوا قدما على بصائركم ، فارغين إلى ذكر اللّه والاستعانة به كما أمركم اللّه ؛ فإنه

--> ( 1 ) أشروا : بطروا واستكبروا . ( 2 ) سورة محمد ( ص ) الآية 7 .